استنكرت جهات حقوقية دولية وإعلامية وإغاثية عربية منع السلطات المصرية لها من دخول غزة عبر معبر رفح، حتى قبل إعلانها عن إغلاقه يوم الخامس من شهر شباط/ فبراير الجاري، كما لاقى الإغلاق وعرقلة دخول المعونات الإغاثية خلال الفترة الماضية انتقادات واسعة، لأنه يترك الفلسطينيين يموتون جوعا ومرضا وقتلا وقهرا على يد الاحتلال.

وأشارت التقارير الواردة من معبر رفح أن السلطات المصرية منعت وفودا متعددة من الدخول إلى غزة عبر معبر رفح خلال الأسبوعين الفائتين، ومنهم محامون دوليون خبراء في توصيف جرائم الحرب وهم أعضاء في التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، قدموا بغرض جمع أدلة عن جرائم الكيان الصهيوني التي ارتكبتها خلال العدوان الأخير على القطاع تمهيدا لتقديمها لمؤسسات حقوقية سترفعها بدورها لمحكمة الجنايات الدولية التي قبلت دعوة قدمها التحالف مؤخرا، فضلا عن منع الإعلاميين البارزين في قناة الجزيرة أحمد منصور معد ومقدم برنامج "بلا حدود"، وغسان بن جدو معد ومقدم برنامج "حوار مفتوح".

كما تم منع وفود أخرى منها وفد من أساتذة الجامعات المصريين المتخصصين في إعادة الإعمار وتخطيط المدن، وهم من أبرز العلماء المصريين الذين يعملون في هذا المجال، إضافة إلى وفد قطري مكون من اثنين وأربعين عضواً بينهم أطباء وحقوقيون وعاملون في مجال الإغاثة من عبور أراضيها إلى غزة دون إبداء أسباب المنع.

شركاء في الجريمة

وتعليقاً على منع السلطات في مصر المحامين الدوليين الأعضاء في التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة لليوم الخامس على التوالي حتى يوم الجمعة الماضي 6/2، قال الدكتور هيثم مناع، منسق التحالف العالمي من أجل محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة إن "المسؤولين المصريين سيكونون شركاء في الجرم إذا واصلوا حرماننا من جمع الأدلة ضد مجرمي الحرب الصهاينة. ونقول لهم سنتوصل إلى الأدلة معهم وبدونهم، وبالتالي نطالبهم أن يسمحوا لنا بذلك، لأنّ هذا أفضل وأنجع".

وناشد المحامي لؤي ديب عضو لجنة التنسيق الأوروبية للتحالف المسؤولين المصريين بالسماح لهم بالدخول، مشدداً على أهمية مهمتهم في جمع الأدلة التي تدين مجرمي الحرب الصهاينة، "وعدم تضييع تلك الفرصة التي أصبحت فيها إسرائيل لأول مرة في حياتها تحت طائلة الملاحقة والقانون الدولي".

وعن سبب رفض السلطات دخولهم لغزة، قال: "إننا لا نملك أجوبة على هذا السؤال، فالسلطات المصرية منعتنا من الدخول للقطاع دون إبداء أسباب".

والتحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب تأسس مع بداية العدوان الصهيوني على غزة والذي اندلع في 27-12-2008، وينضوي تحت لوائه مئات من المؤسسات الحقوقية والمحامين الأوروبيين.

مذبوحون بسبب الرفض المصري

وفي الجانب المتصل بالإغاثة وتقديم المعونات الصحية والغذائية، وحيلولة السلطات في مصر من وصول هذه المساعدات والفرق أو تعويق وصولها؛ قال رئيس عمادة الأطباء الجزائريين الدكتور بقات بركاني في مقابلة مع منتدى الشروق خلال الشهر الماضي إن عشرات الأطباء الذين أرسلتهم وزارة التضامن صاروا بحاجة إلى التضامن معهم في حجزهم بالعريش، وأن الدم الجزائري فقد صلاحيته لنقص وسائل المحافظة عليه، مشيرا إلى أنها إنها الخسارة الثانية التي تلت خسارة العرب بتخاذلهم عن نصرة القضية الفلسطينية .. ليجد الجزائريون أنفسهم مقيدين بواجب التضامن مع فلسطين من جهة ومذبوحين برفض السلطات المصرية لوصول هذه المساعدات من جهة أخرى، ما جعل كثيرين يتساءلون عن مصير هذه الإعانات وكيفية تقديم يد العون بعيدا عن من مصر.

وأضاف الدكتور بركاني: مصر متهمة بإتلاف الأدوية والأغذية والدماء الموجهة لجرحى العدوان الصهيوني، وأن الدم الذي يتبرع به المواطنون الجزائريون لمساعدة ضحايا العدوان تصل منه نسبة ضئيلة جدا إلى قطاع غزة، في حين تبقى الكميات الكبيرة في حجر التخزين بالعريش المصرية حتى تتعفن وتصاب بالتلف.

وفي إطار نفس السلوك الذي تمارسه السلطات المصرية تم منع أحمد منصور وغسان بن جدو، مقدمي البرامج في قناة الجزيرة، من الدخول إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، دون تقديم مبررات لقرار المنع بعد انتظار دام لأكثر من خمسة أيام عند المعبر.

"انتقائية" في العبور

ولفت أحمد منصور إلى أنه رغم استيفائه "كافة الأوراق الثبوتية التي يقدمها الصحفيون وعلى رأسها تصريح من المركز الصحفي التابع لوزارة الإعلام يتضمن تعهدي بالدخول إلي غزة علي مسؤوليتي الشخصية"، ورغم "إعلامي للمسؤولين عن المعبر في القاهرة حتى قبل مغادرتي من الدوحة فوجئت بالمنع في الوقت الذي لم يمنع فيه غيري لا سيما من الصحفيين الأمريكيين والأوروبيين الذين دخل منهم العشرات أمامي خلال أيام انتظاري على المعبر"، مشيراً إلى أنه طلب عدة مرات لقاء الضابط المسؤول عن المعبر، "لكنه اعتذر عن مقابلتي قائلا إنه ينفذ الأوامر".

واتهم منصور السلطات المصرية بممارسة "الانتقائية" في السماح بالعبور للقطاع، منوها بأنها منعت أيضا وفدا من منظمة العفو الدولية ووفدا من اللجنة الدولية للمحامين التي تلاحق مجرمي الحرب الصهاينة وهم محامون نرويجيون وفرنسيون كانوا في طريقهم لجمع الأدلة علي جرائم الحرب التي شنتها على غزة لتقديمها للمحكمة الجنائية الدولية قبل الثامن من شباط/ فبراير الجاري.

تجديد للإغلاق وانحياز لعباس

وعلى نحو متصل؛ كان قرار النظام المصري بإغلاق المعبر اعتبارا من يوم الخميس الماضي (5/2) محل انتقادات في الشارعين المصري والعربي لأنه يسهم في الموت البطيء والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني إرضاء للمطالب الصهيو ـ أمريكية، فقد اعتبر اتحاد المحامين العرب أن الشرط الرئيس لفتح معبر رفح مع القطاع هو قبول حركة حماس وفصائل المقاومة بالإملاءات الصهيونية، متهما القاهرة بالتخلي عن دورها وواجباتها حيال الصراع العربي الصهيوني من خلال ترك الفلسطينيين يموتون جوعا ومرضا وقتلا وقهرا على يد الاحتلال.

وقال عبد العظيم المغربي نائب الأمين العام لاتحاد المحامين العرب: "إن قرار السلطات المصرية إغلاق معبر رفح بعد فشل المحادثات في القاهرة مع حركة حماس حول التهدئة مع كيان الاحتلال يبين بوضوح أن قرار فتح المعابر أصبح رهينا بقبول حماس وفصائل المقاومة بالشروط الصهيونية، الأمر الذي يعتبر غير مقبول وغير مبرر في أي حال من الأحوال".

وتابع المغربي إن اتفاقية المعابر انتهى مفعولها في عام 2006، مشيرا إلى أن القانون الدولي يلزم مصر بإلغاء الاتفاقية وفتح المعابر في حال تعرض مليون ونصف مليون مواطن فلسطيني إلى الموت البطيء والإبادة الجماعية، مشيرا إلى موافقة حماس لشراكة مع السلطة في إدارة معبر رفح.

ونفى المغربي أن تكون مصر محايدة في النزاع الفلسطيني بل إنها منحازة إلى جانب الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس، معتبرا أن من المعيب على القاهرة أن تمنع دخول الفتات من التبرعات إلى الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصر.

حصار صهيوني ـ عربي

من جانبه؛ اعتبر الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري أن الحصار على غزة ليس حصارا (صهيونيا) فقط بل هو حصار عربي - صهيوني في لحظة واحدة، مشيرا إلى أن القاهرة تتحمل المسؤولية الأساسية في موضوع فتح معبر رفح.

وقال أبو زهري في تصريح له يوم (6/2): "فتح معبر رفح ليست مسؤولية مصرية فقط بل مجمل النظام الرسمي العربي يجب أن يتحمل مسؤولياته تجاه ما يجري، وأن اتفاقية المعبر التي أبرمت في عام 2005 هي بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، لكنها مؤقتة بعام واحد فقط، منذ نوفمبر 2005 إلى 2006، أي أنها انتهت قانونيا".

وأكد أبو زهري أن مصر لم تكن طرفا في هذه الاتفاقية أصلا، وبالتالي ليس من المنطق أن تتحكم فيما يتعلق بهذه الاتفاقية.

وطالب الناطق باسم حماس مصر أن تفتح المعبر من جهتها قائلا: نحن كفلسطينيين مسؤولون عن الجهة الفلسطينية.

وأوضح أبو زهري "أن هناك 272 مريضا فلسطينيا توفوا بسبب عدم التمكن من نقلهم إلى الخارج للعلاج بسبب إغلاق معبر رفح"، مشيرا إلى" أن والدته من بين هؤلاء المرضى وهي تحمل رقم 35 من بين الذين توفوا بدليل إغلاق رفح".

مظاهرات الشارع المصري

واحتجاجاً من الشارع المصري على سلطات بلاده لتجديدها إغلاق معبر رفح تظاهر الآلاف يوم أمس الجمعة بالقاهرة مطالبين بفتح المعبر، مرددين شعارات : "فكوا الحصار" و"يا للعار يا للعار مصر مشاركة في الحصار.. حسبنا الله ونعم الوكيل".

وتتعرض مصر لانتقادات من جانب فصائل فلسطينية وبعض الدول العربية لإبقائها المعبر الحدودي مع غزة مغلقاً.


دخل هرباً من القصف فاستجوب عن مكان شاليط!
شاب فلسطيني يروي وقائع 30 يوماً من التعذيب الشديد في السجون المصرية
[ 07/02/2009 - 10:36 ص ]
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام

صعق بالكهرباء .. تجريد من الملابس بشكل كامل .. ضرب وتنكيل وسباب وشتائم لا حصر لها، ذلك جانب من التعذيب الذي تعرض له الشاب الفلسطيني حسين أبو شاويش (22 عاماً) مع عدد من أصدقائه وآخرين لا يعرفهم على أيدي جهاز أمن الدولة المصري بعدما ساقتهم أقدارهم إلى داخل الأراضي المصرية.

رغم مرور عدة أيام على عودته؛ إلا أن الشاب أبو شاويش لا يزال وكأنه غير مصدق أنه نجا من الأهوال التي رآها ويعتقد أنه لا وجود لها حتى في سجن غوانتنامو الأمريكي الذي طالما سمع به.

بداية رحلة العذاب

بمرارة شديدة يروي أبو شاويش رحلة العذاب التي واجهها ودفعته للتساؤل عن إن كان هؤلاء عرب ومسلمين فعلاً؟

ليتني لم أذهب إلى رفح في ذلك اليوم .. هذا ما قاله أبو شاويش وهو يستذكر الحكاية من بدايتها قائلاً: "في ليلة 28 ديسمبر/كانون الأول، أي في الليلة الثانية للحرب الصهيونية على غزة، توجهت إلى منطقة الأنفاق، لاسترداد أموال استثمرتها في تجارة الأنفاق".

ولم يسعف الحظ أبو شاويش فقد أغارت طائرات الاحتلال على المنطقة، ودفعه الخوف مع خمسة من أقرانه إلى الهرب داخل الحدود المصرية.

يقول حسين وهو من سكان حي الشيخ رضوان في غزة: "كنت أنا وخمسة من أصدقائي هم نور الجمال وشحدة ومجدي السواركة، وعلي الكرد، على مقربة من الحدود المصرية الفلسطينية، للتواصل مع تاجر مصري يدعى (أبو أحمد الرملي)، وحين تم القصف فتحت فتحة في الجدار.. توجهنا إليها هرباً من الصواريخ.. سرنا بضع أمتار حتى أوقفنا ضابط مصري".

وذكر أن الضابط المصري سمح لهم باجتياز الحدود، وكان معهم عدد من الأطفال الذين اجتازوا الحدود أيضاً وشباب من مختلف الأعمار، لافتاً النظر إلى أنه ذهب إلى "أمين النفق" ليسترد أمواله المستحقة لديه؛ ومكث مع رفاقه عنده يوم وليلة، ومن ثم التقوا بالتاجر (الرملي) وطلبوا منه الأموال، رد عليهم بالقول إنه سيوفر كافة المبلغ في اليوم التالي.

يكمل حسين، مأساته راوياً لصحيفة "فلسطين" التي تصدر في غزة ما جرى: "في اليوم التالي التقينا بالتاجر المصري، وسلمنا ألفي دولار على أن يسدد الباقي فيما بعد، ومن ثم التففنا عائدين إلى الأراضي الفلسطينية".

توقف الشاب الذي يميل لونه إلى السمرة، وثم تابع متأسفاً لما حدث معه "لقد غدر بنا، وأرسل من يتعقبنا، ووشى بنا للأمن المصري، بأننا مجموعة تريد تنفيذ عمليات استشهادية ونحمل متفجرات".

لم يمضِ وقت طويل وحسين وأقرانه جالسون في مخبئهم ينتظرون هدوء سكون المدافع التي كان لهيبها يهتك ستر الليل المظلم على المدينة الجنوبية؛ حتى طوق المكان 12 جيباً عسكرياً أمن الدولة والأمن المركزي والأمن الخاص.. حاول الشبان الخمسة الفرار لكنهم اعتقلوا وأصحاب المنزل.

بداية الجحيم

حسين قال بأنهم لم يتوقعوا أن يحدث لهم ذلك، شارحاً بداية الجحيم لطبيعة وتضاريس كلمة "ذلك": "مباشرة أخذنا إلى مركز أمن الدولة في منطقة الشيخ زويد، وفي حدود الساعة الخامسة نقلنا إلى سجن أمن الدولة في العاصمة.. هناك تم عصب أعيننا، لننقل في سيارة سارت بنا لمدة ربع ساعة إلى مكان بساحة كبيرة ..لم أعرف ما هو".

لم يكن دخول الموقع الأمني كما اكتشف حسين فيما بعد هادئاً، ففور ولوجهم المكان باشر عدد من الضباط والجنود المتواجدين في المكان بالصراخ في وجوههم "خود الأرض" أي انبطح أرضاً، وانهالوا عليهم ضرباً مبرحاً في كل أجزاء أجسادهم، ليس هذا فحسب بل " كانوا يتفننون في شتمنا وسبنا، بعدها أمرونا بالتجرد من ملابسنا، كما ولدتنا أمهاتنا".

لحظات عابرة ويتابع "بقينا عراة 29 يوماً متواصلة، لم نرتد حتى ملابسنا الداخلية، وأيدينا مكبلة بأساور حديدية (كلبشة) إلى الخلف، ولم نر النور بسبب العصبة على الأعين".

زنازين الأرقام والتحقيق

عندها اعتدل حسين على مقعده شارباً ما تبقى من الشاي الساخن في كأسه الصغير، وقال: "بعد ذلك أدخلونا إلى مكان آخر وعرضونا على شخص لا نعلم هويته أو شكله، قال لنا: "اسمع يا بني أنت وهو، أنت حتنسى اسمك وتحفظ رقمك"، وعندها تعرف حسين على رقمه "السجين 61"، في هذه النقطة تفرق الأصحاب عن بعضهم في زنازين التحقيق.

لم يكن حسين يعلم معنى أن ينسى رقمه هناك، ويستكمل حديثه بابتسامة قاتمة على وجهه النحيف: "نسيت ذات يوم رقمي، عوقبت على ذلك بالكهرباء يوماً كاملاً"، بعدها عاد الضابط مذكراً بمقولته "أنسى اسمك وإياك أن تنسى رقمك!".

مجريات التحقيق مع السجين 61 بدأت ليلاً، حين أخذ من زنزانته إلى مكتب المحقق المعروف باسم "سيف بيه"، يجلس في غرفة تحمل الرقم "9".. خرج سجانوه وبقي حسين والمحقق لوحدهما، على الأخير أن يسأل وعلى الشاب أن يجيب.

سؤال بسيط "لماذا أنت في مصر؟" " دخلت هربا من الحرب ولي أموال لدى تاجر وأنا تاجر"، لم ينتظر المحقق كثيراً ورد " أنت مش عاوز تتكلم ماشي يا ابن...".

في محاولة من السجين 61 لتجسيد ما مورس بحقه أثناء التعذيب جلس على كرسي بلاستيكي شارحا: "أجلسوني على كرسي حديدي مجهز بكلبشات حديدية، وقيدت من قدمي ويدي والرقبة والرأس، وبدأ بعدها بتشغيل الكهرباء.. لحظات صمت أخرى تصف ما كان يشعر به "كنت أشعر بأن روحي تفيض من جسدي، وحين يتوقف شحن الكهرباء كنت اشعر بأن الروح تعود مجدداً".

استنجد حسين بالله أن يوقف تلك الآلة، لكن الضابط لم يأبه له وقال "خلي الله بعيد ملوش دعوة في الكلام ده.. "والعياذ بالله، ثم عاد المحقق سائلاً: "هل ستتكلم أم لا؟" قلت له: "ليس لدي أي شيء لأخبركم به غير الذي قلته، ثم فاجأني بسؤاله عن الأحزمة الناسفة والأسلحة، وأين خبأتها، ومن من أصدقائي سيكون الاستشهادي"، لكن إجابة السجين 61 كان كسابقاتها بأنه لا يعلم شيئاً عما يتحدث به المحقق، نافياً نيته تنفيذ أي عملية.

سرير التعذيب

لم تنته الجلسة الكهربائية الأولى على الكرسي، حتى نقل حسين إلى "سرير" مدد عليها وكبل من رأسه إلى قدميه، التي أضيف لهما، ويداه كذلك وجهازه التناسلي بمشابك كهرباء "كالملاقط"، ووضع لاصق كهربائي على صدره وبطنه أيضاً " كنت أشعر بأن جسمي يطير من على السرير وروحي معه".

ومضى السجين 61 متابعاً على لسان المحقق باللهجة المصرية "انتو جايين هنا تخربوا البلد وتعملوا عمليات استشهادية من مصر، أنت عارف معنى أمن الدولة؟!"، قلت له: "لا " فقال: "أمن الدولة زي النار تقدر تستغني عنها في حياتك اليومية، بالتأكيد لا وإذا قربت منها تحرقك".

منع حسين من النوم ستة أيام بلياليهن، واستمر مصلوباً على قدميه، ويداه مقيدتان إلى الخلف، ولا زال مجرداً من ثيابه، لم يكن يسمح له أن يركن حتى إلى الحائط، وبمجرد سقوط جسده من التعب على الأرض كان يطلب منه الوقوف.

وفي محاولة منه للهروب من "الجحيم" يقول السجين 61: "امتنعت عن تناول الطعام، لأنقل إلى المستشفى، لكنهم كانوا يطعمونني بالقوة، مستخدمين مقابض كهربائية لإجباري على تناول الأكل".

أسئلة التحقيق

لم تدر فلك أسئلة التحقيق عن نية حسين أقرانه تنفيذ عمليات داخل مصر، والشخص الذي دربهم، واسمه، وأين يتلقون التدريب، وما الأسلحة التي يستخدمونها، وإن كان منظماً في صفوف المقاومة والتنظيم الذي ينتمي إليه، بل ذهبت أسئلة التحقيق إلى أبعد من ذلك، فقد سئل عن قادة حركتي "حماس" والجهاد الإسلامي في منطقة سكناه؟ أين تخفي المقاومة الجندي الأسير في غزة "جلعاد شاليط"؟!

يقول السجين 61 في هذا الشأن، قلت له: "لا أعلم مكان شاليط؛ وهل جلعاد من بقية أهلكم في مصر، ما القصة؟ قيادات حركة حماس لا تعرف مكانه، تريدون مني أن أعرف! " على هذه اللهجة واللغة الحادة التي خاطب فيها حسين المحقق أخضع لجلسة تعذيبية كهربائية أخرى.

أوقف التحقيق مع حسين لمدة يوم، لم يكن ذلك كرماً من أمن الدولة المصري، بل إن ضيوفاً جرحى قدموا من غزة للعلاج في مستشفى معهد ناصر، وفلسطين، وأوضح "سألت أحد الجنود إن كان سيفرج عني، فقال: الضابط مش فاضي، جابوا شباب من المقاومة ومشغول بيحقق معهم".

ويشير السجين 61 على وجهه ابتسامة عابرة عن أحسن صنوف التعذيب إلى أنه كان يؤخذ ليلاً ويصب على جسده ماء بارداً ثم يتم إيقافه تحت مكثف للهواء البارد.

السجين 59 شنق نفسه

أصيب السجين 61 بمرض فطري، جلدي اسمه "التينيا"، نتيجة تجرده من الملابس في ظروف غير صحية، أخضع على إثرها لفحص طبي داخل السجن، وصرف له دواء "مرهم" يدهن به جسده ليلاً، بالتزامن مع موعد تغيير هيئة تقييد يديه، قبل أن يرى حسين "حادث الصدمة"، كما يقول.

ويسرد السجين الشاب منغمساً في أعماق تلك الحادثة ما جرى: "كان في زنزانتي ثقب واسع نظرت منها وناديت الشاويش قائلاً له إنني أريد أن أضع المرهم لأني أتألم وجسدي يحترق من المرض، فأخرجني لأضع العلاج، بعدها شعرت بأن الشرطي فتح باب الزنزانة المجاورة لي، وإذ بشاب قد شنق نفسه".

هنا لجم لسان حسين، حين سألناه إن كان يعرفه أو شاهده من قبل؟، فأجاب بالنفي التام، مستدركاً "كل ما أعرفه سابقا عنه أنه من رفح ويحمل رقم السجين 59 .. عرفت ذلك بعد أن أسرع الشاويش لإحضار الضباط، رفعت عن عيني العصبة قليلاً ونظرت إلى الزنزانة فرأيت الشاب وهو معلق، في مشنقة صنعها من "شرشف خفيف" موضوع في الزنازين وقد جهز المشنقة بربطها في مشبك حديدي يستخدم لدش المياه، ورأيته وهو معلق كما ولدته أمه".

استطاع السجين 61 أن يلمح بعض ملامح الشاب المعلق، واصفاً إياه بأنه "شاب طويل أسمر البشرة، كان قد حلق رأسه على الدرجة الثانية، وفي وجهه بثور (حب)".

وتابع:" حين حضر الضباط والطبيب، أعادوني إلى زنزانتي، بعد أن أنزلوا الشاب ووضعوه في المردوان، فحصوه لكنهم جميعاً قالوا "ده مفهوش نفس..ميت".

بعد 29 يوماً نقل السجين 61 من سجون القاهرة إلى سجن العريش "قسم أولي" برفقة مجموعة من المعتقلين الفلسطينيين، وفي هذه الفترة فقط سمح لهم بارتداء ملابسهم، يقول:" هناك أيضا اكتشفت أن الرغبة في الموت كانت تسيطر على الجميع".

رفع حسين رأسه إلى السماء وكأنه استيقظ للتو من كابوس، مصاحباً ذلك بنفس عميق "المعاملة قاسية ولا إنسانية إلي حد لا يمكن أن أعبر عنه أو لأي إنسان أن يصفه، هناك شبان منسيون في سجون منسية لا أحد يعلم عنهم شيئاً".

ثمن العودة 2 جنيه

طريق العودة إلى غزة كان كمزحة لم نصدقها، يقول السجين 61 الذي غادر السجن بعجز في قدمه اليسرى، جاءوا وطلبوا مني حزم أمتعتي للإفراج عني، وفعلا أفرج عني أنا و150 تقريبا من مختلف السجون في مصر وغادرنا عبر سيارات الترحيل وطلبوا منا دفع تذاكر العودة 2 جنيه لكل واحد وبعدها عدنا إلى غزة.

حسين بابتسامة عريضة قال: "لو على الـ2 جنيه بسيطة يـأخذوا ألفين وأروح.. شعرت بولادة جديدة في غزة".

وختم بقوله: ما رأيته وما تعرضت له من إهانات وضرب وتعذيب وشتائم تحطم جبال، ما جرى معي لم أسمع به إلا في أحاديث الإعلام عن سجن غوانتنامو الأمريكي حيث اللاإنسانية والدونية وإهانة الكرامة البشرية وإذلالها.